محمد جواد مغنية
44
في ظلال نهج البلاغة
أن خلق جسمه وسواه . قال الكليني في أصول الكافي : سئل الإمام الصادق عن قوله تعالى : « وروح منه » فقال : هي روح اللَّه مخلوقة خلقها سبحانه في آدم . وقول الإمام : « جمع سبحانه تربة » صريح في أن آدم لم يكن له عين ولا أثر قبل هذه الأرض ، وقال تعالى : * ( إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَه مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَه كُنْ فَيَكُونُ ) * - 59 آل عمران أي لم يكن في هذه الأرض فكان . . فأبونا آدم من تراب ، ونحن أيضا في لحمنا ودمنا من تراب ، لأن ما نأكله من اللحوم والحبوب والفواكه والخضار والنبات ، كل ذلك كان في الأصل ماء وترابا : « هو الذي خلقكم من تراب - 67 غافر » . أما قوله ( ع ) : ( من حزن الأرض وسهلها ، وعذبها وسبخها ) فهو إشارة إلى أن الانسان كأمه الأرض يجمع في استعداده وغرائزه بين المتناقضات والمفارقات كالطيب والخبيث ، والأسود والأبيض ، قال الرسول الأعظم ( ص ) : « خلق اللَّه آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على مثل الأرض ، منهم الأسود والأبيض والأحمر ، وما بين ذلك » . 2 - ( وسنها بالماء حتى خلصت ، ولاطها بالبلة حتى لزبت ) . يشير بهذا إلى قوله تعالى : * ( إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ) * - 71 ص . وقوله في الآية 11 من الصافات : « من طين لازب » . ولا نطيل في شرح الألفاظ ، وقد ذكرنا مداليلها في فقرة اللغة ، والأجدر أن نمعن النظر في مدى آخر ، ونشير اليه بالأسلوب التالي : وتسأل : لما ذا لم يخلق اللَّه آدم بكلمة « كن » . وما هي الحكمة لخلقه من تراب أليس اللَّه على كل شيء بقدير الجواب : قال البعض : أراد سبحانه أن يعلَّم الناس الروية والأناة وعدم الاستعجال في أمورهم . . أما نحن فنظن انه تعالى أراد أن يعلم الناس انهم في الخلق سواء ، لا فضل لأبيض على أسود ، كما قال الرسول الأعظم ( ص ) : كلكم من آدم ، وآدم من تراب . . وان يعتبروا بقدرة اللَّه التي خلقت من المادة الصماء إنسانا عاقلا يفعل الأعاجيب ، ويومئ إلى ذلك قوله تعالى : * ( أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ) * - 37 الكهف وأيضا أن يستدل الانسان على النشأة الثانية بالأولى